أخبــاربلاد المهجرنبض الساعةهيدلاينز

المعادن النادرة تعيد تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي

تتحول ماليزيا تدريجيًا إلى مركز مهم في سباق القوى الكبرى للسيطرة على سلاسل إمداد المعادن الأرضية النادرة، بعدما انتقلت من مجرد موقع لمعالجة هذه الموارد إلى لاعب يسعى إلى بناء صناعة محلية متكاملة وفرض شروط جديدة على المستثمرين الأجانب.

وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه المنافسة بين الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية لتأمين مصادر مستقرة للمعادن الأرضية النادرة الثقيلة، التي تعد عناصر أساسية في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية، إلى جانب قطاعات الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية.

وتستعد ماليزيا لعقد جلسة برلمانية لمناقشة صفقة بقيمة 96 مليون دولار بين شركة “ليناس راير إيرثس” ووزارة الدفاع الأمريكية، وسط جدل حول استخدام المعادن التي توفرها الشركة وما إذا كانت تدخل في تصنيع أنظمة عسكرية أمريكية.

وأثارت الصفقة نقاشًا داخليًا، بعدما ربط ناشطون وسياسيون بين توريد المعادن والصناعات الدفاعية الأمريكية، في ظل حساسية ملف الموارد الاستراتيجية في البلاد.

وتدير شركة “ليناس” أحد أكبر مصانع معالجة المعادن الأرضية النادرة خارج الصين، ما يمنح ماليزيا موقعًا مؤثرًا في سوق تهيمن عليه بكين منذ سنوات.

منع تصدير الخام وتعزيز التصنيع المحلي

اتبعت الحكومة الماليزية خلال السنوات الأخيرة سياسة تهدف إلى الحد من تصدير المعادن الأرضية النادرة بصورتها الخام، في محاولة لضمان استفادة الاقتصاد المحلي من مراحل المعالجة والتصنيع ذات القيمة الأعلى.

وأكدت كوالالمبور استعدادها لاستقبال الاستثمارات الأجنبية، لكنها تشترط نقل التكنولوجيا، وتطوير قدرات المعالجة داخل البلاد، وتعزيز مشاركة الشركات الماليزية في المشروعات الجديدة.

وتشير بيانات رسمية إلى امتلاك ماليزيا نحو 16.1 مليون طن متري من احتياطيات المعادن الأرضية النادرة، إلا أن البلاد لا تزال بحاجة إلى تقنيات وخبرات متقدمة في مجالات التعدين والفصل الكيميائي والتكرير.

وفي إطار بناء سلسلة قيمة محلية، تخطط شركة “كارستر” الفرنسية لإنشاء مصنع لفصل المعادن الأرضية النادرة في ولاية بيراك بالشراكة مع شركة “مالاكو ماينينغ” الماليزية، على أن تبلغ الطاقة الإنتاجية المتوقعة نحو 13 ألف طن سنويًا، مع نقل جزء من المواد المركزة إلى فرنسا لاستكمال عمليات التكرير.

ويعكس هذا المشروع توجهًا متزايدًا لدى الدول الحليفة للولايات المتحدة واليابان وأوروبا نحو الاستثمار في مراحل المعالجة والتكرير، بدلًا من الاكتفاء بالحصول على حقوق استخراج الموارد.

صراع على سلاسل الإمداد

برزت أيضًا شركة “ساوثرن ألاينس ماينينغ” كأحد اللاعبين المحتملين في قطاع المعادن النادرة، بعد امتلاكها رواسب يمكن أن تدعم إنتاج المعادن الأرضية النادرة الثقيلة.

ورغم توجه جزء من الإنتاج الحالي إلى الصين، فإن السياسات الجديدة في ماليزيا قد تفتح الباب أمام إعادة توجيه الموارد نحو سلاسل إمداد بديلة تخدم الأسواق الغربية والآسيوية الحليفة.

ويرى خبراء أن المنافسة العالمية لم تعد تتركز فقط على امتلاك المناجم، بل امتدت إلى السيطرة على مراحل الفصل الكيميائي وإنتاج الأكاسيد والمغناطيسات المستخدمة في الصناعات المتقدمة.

وفي هذا السياق، تبرز خطط لإنشاء مصنع لإنتاج مغناطيسات النيوديميوم في ولاية باهانغ عبر شراكة بين “ليناس” وشركة “JS Link”، باستثمارات تقدر بنحو 600 مليون رينغيت ماليزي، بهدف إنتاج نحو 3 آلاف طن سنويًا من المغناطيسات بالقرب من منشآت المعالجة التابعة للشركة في كوانتان.

كما تتزايد التكهنات بشأن اهتمام شركات آسيوية كبرى، بينها “بوسكو”، بالاستثمار في قطاع التعدين الماليزي، رغم عدم وجود إعلانات رسمية بشأن اتفاقات نهائية.

ماليزيا في قلب المنافسة العالمية

تسعى ماليزيا إلى استثمار موقعها الجغرافي واحتياطياتها المعدنية وخبرتها الصناعية للانتقال من دور المورد إلى لاعب رئيسي في صناعة المعادن الاستراتيجية.

ومع تصاعد الطلب العالمي على هذه الموارد بسبب نمو قطاعات الدفاع والذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، باتت المعادن الأرضية النادرة جزءًا من صراع أوسع حول الأمن الاقتصادي وسلاسل التوريد العالمية.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن كوالالمبور تحاول تحويل المنافسة الدولية على مواردها إلى فرصة اقتصادية، عبر تعزيز التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا، بدلًا من الاكتفاء بتصدير المواد الخام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى